المقريزي

165

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

هذه الوظائف ، وصار يتردّد إلى حضرة السّلطان فيجلّه ويبالغ في كرامته . وكان هذا أيضا من أفعال الظّاهر أنه يبالغ في إكرام من يعزله عن منصب إذا لقيه ، ولا يدعه بغير رزق يجري عليه ، فإما يعطيه وظيفة أو يجعل له راتبا سلطانيا . ولم يزل العماد بعد صرفه عن القضاء مرعيّ الجانب ، محترم الجناب ، مقبلا على تلاوة القرآن والصّيام وقيام الليل ، مع كثرة الحاشية وإظهار التجمّل وترداد الأعيان لبابه ، حتى شغرت خطابة المسجد الأقصى وتدريس المدرسة الصّلاحية بالقدس ، فسأل السّلطان في ذلك فقلّده إيّاه ، وسافر في ثاني عشري جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وسبع مائة من القاهرة ، فنزل القدس ، وباشر الخطابة والتدريس ، وأكثر من النّسك وازداد انجماعا عن النّاس وشغلا باللّه في نعمة وعافية وقرّة عين بالأهل والمال والولد ، حتى قبضه اللّه إليه بالقدس في يوم الجمعة سادس عشري شهر ربيع الأول سنة إحدى وثماني مائة فدفن هناك ، رحمه اللّه فلقد كان ثبتا في أحكامه ، صادقا في مقاله ، كثير الصدقة ، ملازما لتلاوة القرآن والتهجّد في الليل والصّيام ، بعيدا من الرّيب ، منزّها عما يشان به غيره ، مستحضرا لكتاب « المنهاج » في الفقه وغيره من محفوظاته . وسمع الحديث قديما بالقاهرة ودمشق . ولقد أقسم لي باللّه غير مرة أنه منذ تقلّد القضاء بالكرك ومصر لم يرتش في حكم ، ولا أكل مال يتيم ، ولا مال وقف ، ولا تعمّد حكما بباطل ، وتاللّه إنّه لصادق فلقد خبرته وبلوته فلم أر ولم أسمع عنه ما يشينه ولا يريبه . وغاية عائبه من حسّاده أو المتعنّتين أن يرموه بكثافة الحجّاب في أيام تقلّده القضاء ومحبّته للإجلال والتعظيم ، وما كان فيه من الترفع في مجلسه وكثرة البأو . ولقد اعتذر لي رحمه اللّه عن ذلك بما يقبل عذره فيه ، وهو أنه حذّر من أهل مصر وما عندهم من كثرة الانتقاد ، وفي طباعهم من تتبع ولاتهم وإحصاء معايبهم وفرط حذلقتهم سيّما على من